ابن تيمية
19
مجموعة الفتاوى
وَقَالَ آخَرُ لِلشَّيْخِ : قَالُوا ائْتِنَا بِبَرَاهِينَ فَقُلْت لَهُمْ * أَنَّى يَقُومُ عَلَى الْبُرْهَانِ بُرْهَانُ ؟ وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ لِلْمُتَكَلِّمِ : الْيَقِينُ عِنْدَنَا وَارِدَاتٌ تَرِدُ عَلَى النُّفُوسِ تَعْجِزُ النُّفُوسُ عَنْ رَدِّهَا فَأَجَابَهُ : بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ . وَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ الكوراني لِلشَّيْخِ الْمُتَكَلِّمِ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ : إنَّ اللَّهَ يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ . وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّهُ تَعَرَّفَ إلَيْنَا فَعَرَفْنَاهُ : يَعْنِي إنَّهُ تَعَرَّفَ بِنَفْسِهِ وَبِفَضْلِهِ . مَعَ أَنَّ كَلَامَ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الطَّرِيقَةِ الْعِبَادِيَّةِ وَقَدْ تَكَلَّمْت عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ . الْحَيُّ . الْقَيُّومُ الَّذِي هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَمُؤَصِّلُ كُلِّ أَصْلٍ وَمُسَبِّبُ كُلِّ سَبَبٍ وَعِلَّةٍ : هُوَ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ وَالْأَوَّلُ وَالْأَصْلُ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الْعَبْدُ وَيَفْزَعُ إلَيْهِ وَيَرُدُّ جَمِيعَ الْأَوَاخِرِ إلَيْهِ فِي الْعِلْمِ : كَانَ ذَلِكَ سَبِيلَ الْهُدَى وَطَرِيقَهُ كَمَا أَنَّ الْأَعْمَالَ وَالْحَرَكَاتِ لَمَّا كَانَ اللَّهُ مَصْدَرَهَا وَإِلَيْهِ مَرْجِعُهَا : كَانَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ الْقَائِلُ أَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مُؤَيَّداً مَنْصُوراً . فَجِمَاعُ الْأَمْرِ : أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَهُوَ النَّصِيرُ { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } . وَكُلُّ عِلْمٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ هِدَايَةٍ وَكُلُّ عَمَلٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قُوَّةٍ . فَالْوَاجِبُ